بدأ فصل جديد في تاريخ سد النهضة الإثيوبي مع افتتاحه رسميًا في 9 سبتمبر 2025، لتدخل أزمة مياه النيل مرحلة جيوسياسية واقتصادية جديدة تفرض على مصر والسودان إعادة تقييم خياراتهما الاستراتيجية.

 

ويرى د.حمدي حسن، أستاذ العلوم السياسية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة زايد، أن اكتمال السد وتشغيله نقل الخلاف من محاولة منع بنائه إلى التعامل مع واقع جديد، ما يستدعي البحث عن آليات لإدارة الأزمة وتقليل الأضرار وتعظيم المكاسب الممكنة.


تدويل أزمة سد النهضة وخيارات الضغط الدبلوماسي


قد تلجأ الدبلوماسية المصرية إلى الاستفادة من المحافل القانونية والدولية، عبر تقديم اعتراضات رسمية إلى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بشأن ما تعتبره انتهاكات للاتفاقيات الدولية المنظمة للأنهار العابرة للحدود. وكان أبرز تحركات القاهرة في هذا السياق اللجوء إلى مجلس الأمن، باعتبار أزمة السد تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، في ظل تعثر المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان وعدم استعداد أي من الأطراف لتقديم تنازلات جوهرية.


ويرى الكاتب أن استمرار الجمود التفاوضي يعكس صراعًا تحكمه حسابات صفرية وخطوط حمراء ومصالح وطنية عليا، وهو ما جعل جولات التفاوض المتكررة أقرب إلى «حوار الطرشان». ومن هذا المنظور، يمكن تحليل الأزمة من خلال معضلة الدجاجة في نظرية الألعاب، التي توضح حالة المواجهة الاستراتيجية بين الأطراف واحتمالات الوصول إلى سيناريوهات أكثر خطورة.


خطر المواجهة العسكرية وخطط الاحتواء الإقليمي


يشير حسن إلى أن استنفاد المسارات الدبلوماسية، إلى جانب الأهمية الحيوية لمياه النيل بالنسبة إلى مصر، قد يجعل الخيار العسكري حاضرًا ضمن الحسابات، رغم أن اللجوء إليه يظل مستبعدًا بسبب التداعيات الدبلوماسية والإقليمية الواسعة. وفي المقابل، ترى إثيوبيا في سد النهضة رمزًا للسيادة الوطنية والتنمية، وتسعى من خلاله إلى توليد الطاقة الكهرومائية ودعم اقتصادها وتوفير عائدات من تصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة.


ويحذر الكاتب من أن تحويل قضية المياه إلى مسألة أمن قومي لدى مصر وإثيوبيا يزيد احتمالات سوء التقدير والصدام، رغم أن الحرب ستكون خيارًا غير عقلاني ومدمرًا لجميع الأطراف. لذلك يمكن أن تتجه القاهرة إلى استراتيجية احتواء تحد من النفوذ الإثيوبي في القرن الأفريقي وحوض النيل، مستفيدة من شراكاتها الأمنية مع الصومال وإريتريا وجيبوتي، إلى جانب أدوات العمل متعدد الأطراف داخل الاتحاد الأفريقي ومجموعة بريكس.


كما يلفت المقال إلى أن اتفاق إثيوبيا الأخير بشأن الوصول إلى الموانئ عبر أرض الصومال يعيد تشكيل الحسابات الاستراتيجية في المنطقة، إذ يعزز قدرة أديس أبابا على الوصول إلى البحر الأحمر وإسقاط قوتها خارج حدودها. وفي المقابل، تستطيع مصر توظيف تعاونها الأمني مع الصومال لمواجهة مساعي أرض الصومال وتعقيد الطموحات البحرية الإثيوبية، بما يتيح للقاهرة ممارسة ضغط استراتيجي من دون الانزلاق إلى حرب تقليدية.


اتفاق تفاوضي لإدارة مياه النيل وسد النهضة


يطرح الكاتب التوصل إلى اتفاق تفاوضي بين مصر وإثيوبيا والسودان باعتباره الخيار الأفضل لمعالجة أزمة سد النهضة، مؤكدًا أن إدارة حوض النيل تحتاج إلى إطار مؤسسي مشترك قادر على التعامل بمرونة مع تغير الاحتياجات التنموية والنمو السكاني وتداعيات تغير المناخ. ويقترح أن تتضمن قواعد تشغيل السد سيناريوهات متعددة للتعامل مع وفرة المياه خلال مواسم الفيضان ونقصها في مواسم الجفاف، إلى جانب حالات الجفاف الشديد.


ويشدد حسن على ضرورة استكمال إجراءات بناء الثقة بين الدول الثلاث، ووضع آلية مستقلة ومقبولة لمراقبة تنفيذ أي اتفاق مستقبلي، مع إتاحة إمكانية تعديله وفقًا للظروف المتغيرة. كما يدعو إلى صياغة اتفاق شامل لإدارة سد النهضة وغيرها من المشروعات المستقبلية على نهر النيل، بالاستفادة من المعايير الدولية والخبرات الناجحة في إدارة الأحواض المائية العابرة للحدود.


ويقترح المقال كذلك إنشاء آلية لتعويض إثيوبيا عن تكلفة تخزين كميات إضافية من المياه خلال سنوات الجفاف، عبر مساهمات من جهات مانحة دولية، بما يسمح بإدارة أكثر مرونة لخزان سد النهضة. ففي سنوات الأمطار الغزيرة، قد تحتفظ إثيوبيا بكميات أكبر من المياه مقابل خفض التعويضات، بينما تحصل على تعويضات خلال سنوات الجفاف عندما تحتاج مصر إلى كميات أكبر من المياه.


ويرى حسن أن الحل طويل الأجل لأزمة المياه المصرية لا يعتمد على الدبلوماسية الإقليمية وحدها، بل يتطلب أيضًا تطوير تقنيات إدارة المياه داخل مصر. ويقترح الانتقال إلى مرحلتين، تبدأ أولاهما بوضع إطار تشغيلي مرن ومدعوم فنيًا لإدارة تصريفات سد النهضة، إلى جانب إنشاء منصة رقمية مشتركة للمعلومات والإنذار المبكر بشأن مياه النيل، ثم الانتقال إلى إعادة النظر في مبادرة حوض النيل بهدف إقامة إطار طويل الأجل يحدد حقوق والتزامات دول المنبع والمصب في المشروعات المائية المستقبلية.


ويخلص المقال إلى أن أمن مصر المائي على المدى الطويل يعتمد على الجمع بين الابتكار المحلي في إدارة المياه والدبلوماسية الإقليمية القوية، بما يحول نهر النيل من مصدر للصراع إلى محرك للتعاون والتنمية، ويحافظ في الوقت نفسه على المصالح الوطنية المصرية والاستقرار الإقليمي.

 

https://www.e-ir.org/p/egypts-choices-on-the-grand-ethiopian